بقلم: علاء أبو أنس
تبدأ بعض المشروعات الخيرية بسؤال:
كيف نؤسس جمعية؟ وكيف ننشئ وقفًا؟
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يسبق ذلك هو:
لماذا نؤسس هذا الكيان أصلًا؟ وما الأثر الذي نريد أن يصنعه؟
فالترخيص خطوة مهمة، لكنه ليس البداية الحقيقية.
البداية تكون من وضوح الفكرة، وفهم الاحتياج، وتحديد المستفيدين، ومعرفة المشكلة التي سيعمل الكيان على معالجتها، ثم بناء الرؤية والرسالة والأهداف على هذا الأساس.
ومن واقع العمل والممارسة في الأوقاف والجمعيات والقطاع غير الربحي، أرى أن من الأخطاء المتكررة في مرحلة التأسيس البدء في صياغة الرؤية والرسالة والأهداف قبل أن تتضح هوية الكيان وحاجته الفعلية.
فتخرج عبارات جميلة من الناحية اللغوية، لكنها عامة، ويمكن وضعها في ملف كيان آخر دون أن يتغير مضمونها كثيرًا.
وهنا تكمن المشكلة.
الرؤية ليست عبارة جميلة نضعها في الملف.
الرؤية تجيب عن سؤال:
إلى أين نريد أن نصل؟
فإذا كانت لدينا - على سبيل المثال - جمعية تعمل في مجال اجتماعي وتنموي، فقد تكون رؤيتها:
مجتمع متكافل ومستدام، يتمتع أفراده بفرص أفضل للحياة والتمكين.
أما الرسالة فهي تجيب عن سؤال آخر:
ماذا سنفعل؟ ولمن؟ وكيف؟
ومن أمثلتها:
الإسهام في تحسين جودة حياة الفئات المستفيدة وتمكينها من خلال برامج ومبادرات تنموية مستدامة، وشراكات فاعلة، وممارسات مؤسسية تتسم بالكفاءة والشفافية.
ثم تأتي الأهداف لتحول الرؤية والرسالة إلى اتجاهات واضحة يمكن بناء البرامج والمبادرات عليها، مثل:
-الإسهام في تحسين جودة حياة الفئات المستفيدة.
-بناء قدرات الأفراد وتمكينهم تعليميًا ومهنيًا.
-تطوير المبادرات والبرامج التنموية ذات الأثر المستدام.
-تعزيز الشراكات مع الجهات ذات العلاقة.
-تنمية العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية.
-تعزيز الاستدامة المالية والمؤسسية للكيان.
لكن المهم هنا:
هذه مجرد أمثلة، وليست قالبًا جاهزًا يُنسخ لكل كيان.
فجمعية تعليم القرآن ليست كجمعية الإسكان، وجمعية التنمية الاجتماعية ليست كجمعية متخصصة في التعليم أو الصحة أو رعاية الأيتام.
وكذلك الوقف.
فالوقف التعليمي يختلف في مقصده وأولوياته عن الوقف الصحي، والوقف الخيري العام يختلف عن الوقف المخصص لغرض محدد، كما أن بناء الوقف ينبغي أن ينطلق أساسًا من إرادة الواقف وشرطه ومقصده، لا من عبارات إنشائية جاهزة.
ولهذا، قبل كتابة الرؤية والرسالة والأهداف، اسأل:
1-ما الاحتياج الذي نريد معالجته؟
2-هل تأسيس كيان جديد هو الحل الأنسب لهذا الاحتياج أصلًا؟
3-من المستفيد الحقيقي؟
4-ما الذي سيقدمه هذا الكيان ولا تقدمه الكيانات القائمة بصورة كافية؟
5-ما الأثر الذي نريد أن نراه بعد سنوات؟
6-وهل لدينا القدرة والموارد التي تمكننا من تحقيق ذلك؟
إذا كانت الإجابات واضحة، أصبحت كتابة الرؤية والرسالة والأهداف أسهل وأكثر صدقًا، وأصبح تأسيس الكيان قائمًا على أساس أقوى.
الخلاصة:
-لا تبدأ تأسيس الجمعية أو الوقف من الأوراق والنماذج.
-ابدأ من الحاجة، ثم الفكرة، ثم الأثر وبعدها ابنِ الكيان.
-لأن النجاح لا يبدأ بالحصول على الترخيص، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير:
-حين تعرف لماذا تؤسس، ولمن تعمل، وما الذي تريد أن يبقى من أثر